الشيخ محمد رشيد رضا
498
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من قول نوح ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بسطة ) أي واذكروا فضل اللّه عليكم ونعمه إذ جعلكم خلفاء الأرض من بعد قوم نوح وزادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة . أو زادكم بسطة في خلق أبدانكم ، إذ كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان . وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم لا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها . ولكن نص على قوتهم وجبروتهم في سور هود والشعراء وفصلت ( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي فاذكروا نعم اللّه واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من ادامتها عليهم وزيادتها لهم ، ولن تكونوا كذلك الا إذا عبدتموه وحده ولم تشركوا بعبادته أحدا ، لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل جعله واسطة بينكم وبينه ، فان هذا حجاب دونه ومن حجب نفسه عما كرمه ربه به من التوجه اليه وحده في الدنيا حجب عن لقائه في الآخرة ، وانما يحجب عن ربهم الكافرون ، لا المؤمنون الشاكرون * * * ( قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ؟ ) المراد من المجيء الاتيان بالرسالة حسب دعواه الصادقة في نفسها الكاذبة في ظنهم الآثم : على أن العرب تستعمل المجيء والذهاب والقعود والقيام في التعبير عن الشروع في الشيء وبيان حاله - يقال جاء يعلم الناس كيف يحاربون وذهب يقيم قواعد العمران ( ونذر ) بمعنى نترك لم يستعمل من مادته الا الفعل المضارع والمعنى : أجئتنا لأجل أن نعبد اللّه وحده على ما نحن عليه من الآثام ونترك ما كان يعبد آباؤنا معه من الأولياء والشفعاء فنحهم ونمتهنهم برميهم بالكفر ونح أولياءنا وشفعاءنا عند اللّه بترك التوجه إليهم عند التوجه اليه وهم الوسيلة وهو المقصود بالدعاء والاستغاثة بهم والتعظيم لصورهم وتماثيلهم وقبورهم والنذر لهم وذبح الابين عندهم ؟ وهل يقبل اللّه عبادتنا مع ذنوبنا الا بهم ولأجلهم ؟ استنكروا التوحيد . واحتجوا عليه بما أبطله الشرع والعقل من التقليد واستعجلوا الوعيد قالوا ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) أي فجئنا بما تعدنا به من العذاب على ترك الايمان بك والعمل بمقتضى توحيدك ان كنت من الصادقين في انذارك أو في انك رسول من رب العالمين . وقد استعمل الوعد بمعنى الوعيد لأنه أعم والمراد